ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 24
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
المحبّية والمحبوبية أمر مبهم لأن المحبّ لا يكون محبا إلا بعد سابقية جذب المحبوب إياه ، ولا يجذبه إلا لمحبته إياه ، فكل محبوب محبّ وكل محبّ محبوب ، ومن هذه الجهة تكلم المحب عن نفسه بخصائص المحبوب . وتخصيص بعض الأولياء بالمحبية وبعضهم بالمحبوبية بظهور أحد الوصفين فيهم وبطون الآخر ، فمن ظهر عليه أمارات المحبية من سبق اجتهاده الكشف قيل محب لبطون وصف المحبوبية فيه ، ومن ظهر عليه علامات المحبوبية من سبق كشفه الاجتهاد قيل محبوب لبطون وصف المحبية فيه ، ولا يصل المحبّ إلى المحبوب إلا بالمحبوبية ليتمكن الوصول بزوال الأجنبية وحصول الجنسية . والمحبوب الأول من الخلق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ثمّ من كان أقرب منه بحسن المتابعة لأنها تفيد المحبوبية . قال سبحانه وتعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 32 ] فمن اتبعه يصل إليه فيسري منه خاصية المحبوبية فيه بحيث يتأتّى منه جذب آخر إلى نفسه وإعطاؤه إياه الخاصية المحبوبية ، كما أن المغناطيس يجذب الحديد إلى نفسه لجنسية روحانية بينهما فيعطيه خاصيته ، بحيث يتأتّى منه جذب حديد آخر وإعطاؤه إياه الخاصية المغناطيسية . ولا شكّ أنّ الخاصية المغناطيسية في الحديد ليست إلا للمغناطيس وإن وجدت منه ظاهرا فكان تلك الخاصية في المغناطيس تقول بلسان الحال أنا صفة المغناطيس ، فهكذا الروح المظهر النبوي بالنسبة إلى الحضرة الإلهية كالحديدة الأولى بالنسبة إلى المغناطيس ، جذبته مغناطيس الذات إليها بخاصية المحبة الأزلية أولا بلا واسطة ، ثم أرواح أمته بواسطة روحه روحا فروحا ، متعلقة به كالحديدات المتعلق بعضها ببعض إلى الحديدة الأولى ، وكل حديدة ظهر فيها خاصية المغناطيس فكأنها المغناطيس ، وإن تغاير الجوهران . وإلى هذا أشار صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من رآني فقد رأى الحقّ » وقول بعض الموحّدين من أمته أنا الحقّ . فما تكلم به بعض أمته من كلام ربّاني أو نبوي على طريق الحكاية لا من نفسه لا يتجه عليه الإنكار فافهم ذلك فإنه من الأسرار العزيزة ينحل به كثير من المشكلات . وفي مجمع السلوك بداية المحبة موافقة ثم الميل ثم المؤانسة ثم المودة ثم الهوى ثم الخلّة ثم المحبّة ثم الشغف ثم التّيم ثم الوله ثم العشق . والموافقة هي أن تعادي أعداء الحق كالشيطان والدنيا والنّفس ، وأن تحب أحباب الحق وأن تتكلم معهم وأن تحترم أوامرهم حتى تجد مكانا في قلوبهم .